الآلوسي
75
تفسير الآلوسي
لهم قريش بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله تعالى الآية ، وجعل ما يفهم من الأثر - وجهاً رابعاً في المراد بالموصول بأن يقال المراد به من يتصدى - من المشركين للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام كما فعل البعض - بعيد لأنه تخصيص من غير دليل وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم . * ( وَلاَ تَعْتَدُواْ ) * أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس - أو لا تعتدوا - بوجه من الوجوه كابتداء القتال أو قتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو قتل من نهيتم عن قتله قاله بعضهم ، وأيد بأن الفعل المنفي يفيد العموم * ( إنَّ اللَّهَ لاَ يُحبُّ الْمُعْتَدينَ ) * أي المتجاوزين ما حد لهم وهو كالتعليل لما قبله ومحبته تعالى لعباده في المشهور عبارة عن إرادة الخير والثواب لهم ولا واسطة بين المحبة والبغض بالنسبة إليه عز شأنه وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه فإن بينهما واسطة وهي عدمهما . * ( واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقْتُلُوهُمْ كَذَالِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ ) * * ( واقْتُلُوهُم حَيْثُ ثَقفْتُمُوهُمْ ) * أي وجدتموهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين سأله نافع بن الأزرق ، وأنشد عليه قول حسان رضي الله تعالى عنه : فإما * ( يثقفهن ) * بني لوى * جذيمة أن قتلهم دواء وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء عملاً كان أو علماً ويستعمل كثيراً في مطلق الإدراك ، والفعل منه ثقف ككرم وفرح * ( وَأَخْرجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) * أي مكة وقد فعل بهم ذلك عام الفتح وهذا الأمر معطوف على سابقه ، والمراد افعلوا كل ما يتيسر لكم من هذين الأمرين في حق المشركين فاندفع ما قيل : إن الأمر بالإخراج لا يجامع الأمر بالقتل فإن القتل والإخراج لا يجتمعان ، ولا حاجة إلى ما تكلف من أن المراد إخراج من دخل في الأمان أو وجدوه بالأمان كما لا يخفى * ( والْفتْنَةُ أَشَدُّ منَ الْقَتْل ) * أي شركهم في الحرم أشد قبحاً فلا تبالوا بقتالهم فيه لأنه ارتكاب القبيح لدفع الأقبح فهو مرخص لكم ويكفر عنكم ، أو المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن المحبب للطباع السليمة أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها ، ومن هنا قيل : لقتل بحد سيف أهون موقعا * على النفس من قتل ( بحد فراق ) والجملة على الأول من باب التكمل والاحتراس لقوله تعالى : * ( واقتلوهم ) * الخ عن توهم أن القتال في الحرم قبيح فكيف يؤمر به ، وعلى الثاني تذييل لقوله سبحانه : * ( وأخرجوهم ) * الخ لبيان حال الإخراج والترغيب فيه ، وأصل - الفتنة - عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم استعمل في الابتلاء والعذاب والصد عن دين الله والشرك به ، وبالأخير فسرها أبو العالية في الآية . * ( وَلاَ تُقَاتلُوهُمْ عندَ الْمَسْجد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتلُوكُمْ فيه ) * نهي للمؤمنين أن يبدءوا القتال في ذلك الموطن الشريف حتى يكون هم الذين يبدءون ، فالنهي عن المقاتلة التي هي فعل اثنين باعتبار نهيهم عن الابتداء بها الذي يكون سبباً لحصولها ، وكذا كونها غاية باعتبار المفاتحة لئلا يلزم كون الشيء غاية لنفسه . * ( فَإن قَاتَلُوكُمْ فاقْتُلُوهُمْ ) * نفي للحرج عن القتال في الحرم الذي خاف منه المسلمون وكرهوه أي إن قاتلوكم هناك فلا تبالوا بقتالهم لأنهم الذين هتكوا الحرمة وأنتم في قتالهم دافعون القتل عن أنفسكم وكان الظاهر الإتيان بأمر المفاعلة إلا أنه عدل عنه إلى أمر فعل بشارة للمؤمنين بالغلبة عليهم أي هم من الخذلان وعدم النصر بحيث